السبت , ديسمبر 7 2019
الرئيسية / آخر الأخبار / “جون أفريك” والمغرب.. أو المجلة التي تُقدِّم محتواها “قربانا” لمن يدفع أكثر!

“جون أفريك” والمغرب.. أو المجلة التي تُقدِّم محتواها “قربانا” لمن يدفع أكثر!

عادت “جون أفريك”، المجلة الفرنسية، لإثارة الجدل في تعاطيها للشأن المغربي، بمناسبة الذكرى العشرين لجلوس الملك محمد السادس على العرش، من خلال عددها الصادر في 21 يوليوز الماضي، والذي يحمل ملفا من 34 صفحة، واضعة على صدر صفحتها الأولى عنوان “المغرب.. العشرون عاما التي غيرت كل شيء”.

وإن كان الملف قد ناقش عقدين من حكم الملك محمد السادس من مختلف الجوانب، بما فيها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، فإن الملف حمل “تقييما عاما إيجابيا” لهذه الفترة، الشيء الذي أوقع المجلة في “تناقض” مع ما حملته أعداد سابقة تحدثت بإسهاب عن المغرب، وعلى رأسها العدد الصادر في فاتح دجنبر 2018، بمناسبة مرور سبع سنوات على ترؤس حزب “العدالة والتنمية” للحكومة، حين عنونت غلافها بـ”سبع سنوات من أجل لا شيء”!

7 سنوات.. من 20 عاما

في افتتاحيته لملف “العشرون عاما التي غيرت كل شيء”، يجزم فرانسوا سودان، مدير نشر “جون أفريك” أن المغرب تطور على جميع المستويات “اقتصاديا وفي بنياته التحتية وعلى المستوى الإداري والثقافي والاجتماعي”، وفي المقال ذاته يرى الصحافي الفرنسي أن الديمقراطية في المملكة بدورها صارت متطورة، من خلال لعب النساء أدوارا سياسية، وشفافية العملية الانتخابية واحترام نتائجها”، بل إنه ذهب أبعد من ذلك حين تطرق للشأن الحقوقي، حيث اعتبر أن علاقة الدولة بالمواطنين “تحسنت”، مستدلا على ذلك بـ”قطع جهاز الأمن مع ثقافة الخوف التي كانت متفشية قبل 20 عاما”.

لكن ما حمله ملف عيد العرش، لا يبدو منسجما مع تقييم المجلة ذاتها لآخر 7 سنوات من فترة حكم الملك محمد السادس، التي شهدت قيادة حزب “العدالة والتنمية” للحكومة، فالمجلة التي لا تحتفظ بعلاقات طيبة مع “الإسلاميين”، رأت أن حزب العدالة والتنمية، خلال ولايتي عبد الإله بنكيران ثم سعد الدين العثماني، “لم يقدم دليلا يؤكد قدرته على قيادة الحكومة”، لكن التناقض لا يكمن هنا، بل في الإشارة إلى أن “المغاربة يعيشون إحدى أسوء فتراتهم على الإطلاق منذ الاستقلال”، مستدلة على ذلك بـ”تنامي معدلات الفقر والبطالة والأزمات الاجتماعية وتزايد محاولات الهجرة غير الشرعية”.

واعتبرت المجلة أن حزب “العدالة والتنمية”، الذي يعاني من “هشاشة الأغلبية الحكومة وتنوع أطيافها”، تحول إلى “حزب كباقي الأحزاب بعدما فشل في الوفاء بوعوده الانتخابية، كما أن رئيس الحكومة سعد الدين العثماني صار مثل الوزير الأول السابق عباس الفاسي، حيث اختار أن يتنازل عن صلاحياته الدستورية للقصر الملكي”، الذي وصفته بأنه “المنقذ في نظر المغاربة”.

الإرهاب والمغرب

“الإرهاب.. ولد بالمغرب”. كان هذا هو العنوان الصادم الذي تصدر غلاف جون أفريك في عددها 2955 الصادر بتاريخ 27 غشت 2017، بعد عشرة أيام من هجوم دام شهده شارع “لارامبلا” الشهير في برشلونة، حيث قام شخص بدهس العشرات من المواطنين الإسبان والسياح الأجانب، ما أدى إلى مقتل 13 شخصا، قبل أن يتبنى الهجوم تنظيم “داعش” ويتأكد تورط 3 مغاربة في التخطيط له وتنفيذه.

ولم يكن العنوان وحده هو “المستفز” في هذا العدد، حيث إن إدارة المجلة اختارت أن تضع العلم المغربي على الغلاف محاطا بصور عشرة شبان مغاربة متهمين بالتطرف، علما أن العدد نفسه كان يتضمن حوارا مع وزير الخارجية والتعاون الدولي المغربي ناصر بوريطة، حول العلاقات المغربية الجزائرية، دون أن يسأل عن رأيه في “الحكم” الذي أصدرته المجلة على بلده.

ومضت “جون أفريك” أبعد من ذلك عبر افتتاحية مديرها فرانسوا سودان، الذي انتقد الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، كونه ركز على علاقات المغرب بالقارة الإفريقية، وفي ربط صريح باتهام المغاربة بـ”الإرهاب” أورد سودان أن “الخطاب خصص بأكمله لأفريقيا ولا شيء غير إفريقيا، كما لو أن المملكة غير معنية بما ارتكبه أبناؤها الضالون في أوروبا”.

وأثارت المجلة غضبا رسميا وشعبيا بالمغرب اضطرها إلى الخروج بتوضيح، رغم أن مديرها قال إنه “غير نادم على العنوان”، إلا أن العدد الموالي نفى “محاولة تنميط المغاربة عبر التشديد على مكان ولادة الإرهابيين”، مضيفة أن “الـتأويلات” التي انتشرت تأتي من “سوء فهم لا علاقة له بمقاصدها”.

واعتبر المجلة أن القراء توقفوا عند الغلاف دون أن يقرؤوا ما جاء في المقالات، مضيفة “العنوان ليس “صُنع بالمغرب” بل “وُلد بالمغرب”، والشرح كان موجودا على الغلاف، ويتحدث عن أن تطرف هؤلاء الشباب وقع في أوروبا وليس في المغرب”، مضيفة أن الافتتاحية التي حملت عنوان “خطاب الملك” نفت عن المغرب “تهمة تصدير الجهاديين لأوروبا”.

زواج المال بالإعلام

يرى أستاذ الإعلام بجامعة عبد الملك السعدي بطنجة، الطيب بوتبقالت، أن “أسبوعية جون أفريك تنتمي إلى الصحافة العربية المهاجرة الناطقة بالفرنسية، والتي لها سياسة إعلامية استشهارية، حتى لا نقول استرزاقية أو ابتزازية، أكثر منها إخبارية أو استقصاصية”، إلا أنه يرى أنها “عادة ما تكون مؤيدة للقضايا المغربية بصفة عامة، إلا أنها في صيف 2017 خرجت عن هذه القاعدة بشكل لافت للنظر”، في إشارة إلى غلاف “الإرهاب ولد بالمغرب”.

ويؤكد تاريخ “جون أفريك” أن لها علاقة وطيدة بذوي الأموال وأصحاب السلطة في القارة السمراء، فتأسيسها سنة 1961، كان على يد البشير بن يحمد، وزير الإعلام التونسي في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة، والذي يدير ابنه أمير بن يحمد حاليا الشركة المالكة للمجلة، وسبق لها الحصول على دعم مالي من العديد من زعماء الدول الإفريقية، بمن فيهم أولئك الذين يوصفون بـ”المستبدين والدكتاتوريين”، وهو ما كشفت عنه صحيفة “لوكانار أونشيني” الفرنسية، التي أكدت أن الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي كان من ممولي المجلة.

وظل هاجس التمويل حاضرا لدى المجلة حتى في علاقتها بالمغرب، على الرغم من مرورها بمراحل مد وجزر خلال فترة حكم الملكين الحسن الثاني ومحمد السادس، إذ سنة 2005، كادت المجلة أن تصبح جزءا من مجموعة “ماروك سوار” ذات الرأسمال السعودي والتي تصدر عدة مطبوعات مغربية مقربة من جهات رسمية، قبل أن تفشل الصفقة بشكل مفاجئ.

ويرى بوتبقالت، أن “جون أفريك” تعاملت دائما مع القضايا المتعلقة بالمغرب “دون الاستسلام لضجيج الإثارة، وخصصت تغطيات عديدة للمملكة المغربية بشكل إيجابي جدا”، لكن هذا الأمر سيتغير بفعل المنافسة، فحسب أستاذ التاريخ المعاصر وعلوم الإعلام والاتصال بمدرسة الملك فهد العليا للترجمة “صارت المجلة تحاول جاهدة الحفاظ على ما تبقى من زبنائها الأفارقة في زمن الإعلام الرقمي الذي ضيق الخناق على مواردها الإشهارية، ورغم دخولها حلبة الصراع للإعلام الجديد منذ سنة 1997” خالصا إلى أن “ماضيها يبدو لامعا أكثر من حاضرها”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial